الاسم: نور
البلد: الأردن
التصنيفات : عام
أظهر كافة المعلومات
| ► | شباط 2012 | ◄ | ||||
| أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | |||

أن تُسكَن بحبهم، يعني أن يحتل نفسك أرقى أشكال الحبّ وأكثرها نزاهة وعمقاً وتجذّرا في الطبيعة الإنسانية!
أن تأسرك ضحكاتهم وهمساتهم، وتجذبك حيلهم البريئة منها والذكية الشقية، يعني أن يُؤخذ عقلك وفكرك في رحلات استكشاف جميل.. لأجمل دنيا الناس وأعذبها..
أن تمنحهم شيئا حقيقا صادقا، مليئا بهم فقط، وبكل الحبّ، من وقتك وعقلك وحضور جُلّ خواطرك فيما يريدون أو يحاولون قوله.. يعني أنك دخلت عوالم نبلاء الروح والعطاء.. وأنك في مصاف القلة الذين يحترفون العطاء بكل ما فيهم .. ولا لشيء سوى "هؤلاء" الأجمل والأنقى..
أن يهبك الله نعمة محبة الأطفال .. كل الأطفال.. يعني أنه منحك قلبا جميلا.. وروحا شفافة.. وعالما من الجمال لا ينضب! لقد منحك روحا قادرة على العطاء بلا مقابل.. فأي مقابل تجنيه من حب طفل سوى أن تلمس طهارة الروح البعيدة.. وتذهب عميقا في أسرار الروح التي لم تشُبها بعد شوائب الحياة.. وأن تشعر بطعم الابتسامة الحقيقية الخالية من كل تأويل سوى صفاء الروح ومعنى الابتسام.. كما هي برّيته وحقيقته.. وتستمع إلى موسيقى عذبة في غُسان روحك وأقصى نقطة في أعماق نفسك!
أن تستمد روحك شرعيتها من أن يسكنها الملائكة الصغار .. يعني أنك وحدك الإنسان الشرعي .. ومن سواك يتردد في فلوات بعيدة..
لم أعجب في حياتي من جدبٍ قد يصيب أرواح الناس، كما عجبت من أولئك الذين وجهوا لي أو لغيري يوما عبارات بضرورة الزواج وإنجاب الأطفال، لمن ابتلاهم الله بمحبتهم!! وما أكثرهم! في العادة لا يستغرق الأمر طويلا حتى أكتشف أي طين جُبل منه هؤلاء، وأي جفاف عاطفي عاشوا في طفولتهم وحتى في بقية حياتهم! ففي أحسن الأحوال كان أهلهم فقط هم من يهتمون بهم، فهم لم يعتادوا اهتماما الا ممن تربطهم بهم رابطة الدم! بمعنى أن عقليتهم قد تشكلت محشوة بفكرة أن يكون للحب والاهتمام مسوغ ورابط مادي فقط، وأن دلالة الروح والارتباط الإنساني بكل ما هو صاف جميل لا وجود لها في أي طبقة من طبقات عقولهم!
هؤلاء تحديدا كنت أراقب علاقتهم بأطفالهم، لأرى فيها صورة واضحة جدا لعلاقة ذويهم بهم، علاقة خالية من أي تعبير عن العاطفة بعد سن الخامسة كحد أقصى! أو تجاه الطفل الأصغر (آخر العنقود فقط) مهما كبُر!! وكأنهم بذلك يستدركون بلا وعي ما فاتهم من تعبير عن العاطفة التي لن تسعفهم أعمارهم للتعبير عنها لشخص أو طفل آخر، فيعصرونها حتى آخر قطرة منها في طفل واحد وهذا أقصى طاقتهم الروحية والعاطفية! ويسعدون بعدم تذمر الأطفال الآخرين من هذا التمييز العاطفي وربما المادي أيضا، المجحف، وهم لا يدركون بشح عاطفتهم وعدم فهمهم لطبائع الصغار، وكيف أن عقولهم تختزن كل هذا وتعبر عنه سلوكياتهم لاحقا بشكل سلبي تجاه أنفسهم أو حتى أطفالهم مستقبلا، وكم من شاب أو صبية وقف في وجه أمه وأبيه يوما وحاسبه على كل هذا قولا وفعلا، وبعدا، وأسرارا يأتمن عليها العالم كله إلا والديه! والأدهى أنهم يجعلون من طفولتهم ونشأتهم أنموذجا يقيسون عليه كل استجابات الآخرين، وكأنهم مقياس نفسي معتمد، أو كأن نفسان من نفوس البشر قد تتشابهان حد التطابق، أو كأن الزمان وحاجات البشر توقفت عند أزمانهم وأزمان آبائهم!!
أما بقية الأطفال ما خلا (آخر العنقود) إلى أجل، فقد كانت آخر مرة جلس إلى جانبه في السرير ومسح على رأسه فيها لينام حين كان عمره ثلاث سنوات وفي أحسن الأحوال خمس! وفي آخر مرة قال لابنه فيها "أنا أحبك" وهو يحدق في عينيه كانت في سن السادسة وهذا كبير!! وآخر مرة احتضن فيه طفله سعادة وجذلا وحبا يكاد يفجر جنبات صدره كان الطفل في الثامنة على أحسن تقدير!! ثم حين يرى شخصا يحب الأطفال لمجرد طفولتهم يستغرب ويتساءل: تُرى ماذا يريد من هذا الطفل؟ وإلام يريد أن يصل؟!! ولماذا لا يتزوج وينشغل بأطفاله؟! وإن كان متزوجاً: فمن أين له بكل هذه الطاقة؟! ليته يمنحني شيئا منها يكفي لأطفالي فقط!!
لا شك أننا نفقد بمرور الزمن شعورنا بلذة قدوم العيد.. ورغم كبرنا إلا أنّا نحنّ كثيرا وكلما تقدم بنا العمر، إلى أشيائنا وعاداتنا العتيقة، كتوسُّد ملابس العيد، وانتظار الصباح، وصوت التكبير، والالتفاف حول الجد والجدة والضيوف طلبا للعيدية، ولهذا صرنا نتلذذ بمشاهدة الصغار يعيدون علينا المشهد نفسه..
|
أحبّ البلاد التي سأحب
|
|
أحب النساء اللواتي أحب
|
|
و لكن غصناً من السرو في الكرمل الملتهب
|
|
يعادل كل خصور النساء
|
|
و كلّ العواصم
|
|
أحبّ البحار التي سأحبّ
|
|
أحبّ الحقول التي سأحبّ
|
|
ولكنّ قطرة ماء على ريش قبرّة في حجارة حيفا
|
|
تعادل كل البحار
|
لا أذكر الليلة التي رحلت فيها روحه إلى بارئها.. كنت صغيرة حين رحل.. ولكني أذكر جيدا أنه رحل ربيعا، رحل في نيسان الشهداء الذين سكنوا روحه، وعقله.. لم أفكر بالعودة إلى القيود وتواريخ الحياة والموت.. لم أفكر بسؤال أحد أبنائه أو أحفاده عن التاريخ الذي نسيته لرحيله، أحب أن أستمتع بربط ذكرى رحيله، برحيل البطل "أبو جهاد".. في ذكراه الماضية، كتبت له أيضا في السادس عشر من نيسان.. كتبت له على وقع صوت كمال خليل: "الخيل الأصيلة وحدها بتكمل المشوار".. كان يحب "أبو جهاد"، وكان يتحدث عنه كأحد أبنائه، كان وفيا للثورة، محبّا للثوار.. وكان يتقن جدا نقل روحه وحماسه، وحب الوطن إلى الأجيال المولودة في المنافي..
كان يقول لي: لم يُكتب في شهادة ميلادك، أن بيت لحم هي محل الولادة، ولكنها ستزين شهادات ميلاد أبنائك! والدك وُلد هناك، وابنك سيولد هناك، وحين تفكرين في نفسك، اعتبري أن والدتك كانت في رحلة قصيرة خارج البلاد، فاضطرت لانجابك في المنفى!!
لم يعتقد يوما أني صغيرة على الكلمات، أو أن الأفكار أكبر مني! كان يعلم أنه يؤسس في أعماق روحي، وعقلي دولة عشق، ويزرع فيّ هاجس العودة، وحق الحياة في الوطن.. كان يعلمني أن المنفى حلم مزعج، أو رحلة قصيرة، ولا بد لها أن تنتهي.. وحتى تنتهي لا بد أن نتسلح بالوفاء، ونحتفظ بطعم الزعتر، واللوز، ونكهة الميرمية، والبابونج، ورائحة الياسمين، والحنّون، والريحان المقدسي..
هل كان يقصد فعلا، وهو يحمل لي حبات اللوز، والريحان، وحفنة تراب من الوطن، والثوب الصغير المطرز، أن يح
نفضت ثورتا الشباب التونسي والمصري غبار عقود من التبعية والانحطاط الفكري والنفسي للإنسان العربي، وصورته أمام الرأي العام العالمي، وجعلتنا نشعر بشيء من الفخر والعزة، والأمل بأنا لا زلنا نملك القدرة على الحياة، وبأن ما يجلب التغيير هو الإرادة الحقيقية والمبادرة بالفعل.
من كان يعتقد أن شعوب العالم بأسره ستشيد يوما بشكيمة الشباب العربي ونضاله وقوة إرادته، وقدرته على إدارة ثورة، بعد كل هذه العقود، وبهذه اللغة السلمية المتحضرة، والتي لو لم تتحول في ردود فعلها على عنف النظام، إلى اشتباكات، لبقيت بالفعل سلمية خالصة، والتي بالفعل لم تزل كذلك.
صور الفتيات والشباب الذي راحوا ضحية هذا التعنت والصلف والديكتاتورية وانعدام الكرامة لدى النظام المصري، الذي أراق ماء وجهه عن آخر قطرة، تكاد لا تفارقني، وفي كل مرة تتراءى لي تنهمر دموعي بلا استئذان.. أشعر أنني أنتمي إلى هذا الجيل الذي شارف على العقد الرابع من عمره يراقب الانكسار تلو الانكسار، ويشهد الخيبة تلو الخيبة، ويطالع صورة الرئيس ذاته، للحد الذي بات يشك معه بأن كل بلاد العرب ممالك، أو أن الشعوب العربية ذابت في حب قادتها والوفاء لهم للدرجة التي جعلتها تختارهم وأبناءهم ليحكموها العمر كله.. أي وفاء هذا؟!
ليس الأمر أننا ننتمي إلى الجيل ذاته فحسب، إننا نشتاق للحرية والشمس والخبز النظيف بالقدر ذاته،
ها هي حقيقيّةُ التراب تحت قدميّ.. حقيقيّةُ الهواء يلفح وجهي.. حقيقيّةُ الوجوه تبتسم مبتهجة بفرحة لقائنا بعد سنيّ الغياب.. كان الأمر كأني أدخل بيت جدي الذي أعرفه وآلفه جيدا، وكأني لم أغب عن هذا المكان سوى سويعات، رغم أني لم أره من قبل!









